حيدر حب الله

54

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

للمولى ، وكلّه محال ، لكنّه هو نفسه لما حاول تخريج الأدعية التي لا نجدها تستجاب ذكر عناصر أخرى لعدم الإجابة غير هذه الأربعة المستحيلة ، وهي وجود مصلحة للعبد أو تعارض الأدعية وتزاحمها ، وهذا يعني أنّ عدم استجابة الدعاء لا يفضي إلى ما هو محال بالضرورة ، فيكون آخر كلامه مناقضاً لأوّل كلامه بحسب المحصّلة النهائية للموضوع . الملاحظة الرابعة : إنّ الحديث عن لزوم تحقّق القصد في الدعاء والتوجّه والإخلاص وأمثال ذلك كلام صحيح ؛ لأنّ هذه العناوين هي التي تحقّق صدق عنوان الدعاء لله تعالى ، إلا أنّ ما ذكره غير واحد من علماء الأخلاق من تبرير عدم استجابة الدعاء - زيادةً على ما تقدّم - بأنّ الداعي لم يجتنب المعاصي الظاهرة وغيرها ، أو لم يكن بالمستوى الروحي الرفيع الذي يوجب توكّله على الله تعالى وتفويض الأمر إليه ، أو لم يقم بآداب الدعاء والاستخارة ، كما ذكر ذلك السيد ابن طاووس وغيره « 1 » . . هذا كلّه - ممّا سبق أن أثارته المعتزلة « 2 » - في نظري شلٌّ لما تريده الآيات القرآنية الداعية للدعاء ، فقد صوّر هؤلاء العلماء الدعاء ظاهرةً معقّدة جداً ، مستندين في بعض الأحيان لبعض النصوص الضعيفة أو التحليلات الشخصيّة والوجدانية ، وهذا كلّه منافٍ لعمومات النصوص وظواهرها ، فإنّ ظاهرها كفاية صدق الدعاء وكلّ ما له دخل في تحقّق هذا العنوان ، أما إغراق الدعاء بسلسلة قيود تحيله إلى ظاهرة نادرة التحقّق في المجتمع فهذا في نظري ليس سوى فراراً من المشكلة هنا ، من دون دليل معتبر .

--> ( 1 ) انظر : ابن طاووس ، فتح الأبواب : 297 - 300 . ( 2 ) انظر : الرازي ، التفسير الكبير 5 : 111 .